
في السابق، كلما كنتُ أسمع أمي تتنهد وتقول: «رزق الله ع أيام الحرب كان فيها بركة أكتر من هلق!»، كنت أشعر بإحباط يكاد يجاور الغضب.
كنت أصرخ في وجهها: "بركة؟ أي بركة يا أمي؟ عن أي أيام تتحدثين؟ عن السنوات التي كان الموت فيها احتمالاً يومياً، والقذائف جزءاً من المشهد العادي، والخوف لغة مشتركة بين الجميع؟ كيف يمكن لأي إنسان أن يحن إلى الحرب؟"
وأمي، للعلم، ليست الوحيدة التي تشعر هكذا، وتفكّر هكذا، وتتكلم هكذا. فأنا لطالما سمعتُ الجملة نفسها من كثر حولي، وإن بصيغ مختلفة: أيام الحرب كانت أجمل. العيش كان أسلس. النفوس كانت أنظف. الصحافة كانت أرقى. الفن كان أصدق. الأغاني كانت أعمق. حتى الناس كانوا أكثر طيبة.
في البداية كنتُ أظنّ أن الأمر مجرد نوستالجيا تمجد الأمس وتجمله. ثم مع الوقت شرعتُ أفهم أن هذه الأعراض الغريبة ليست حنيناً إلى الماضي بقدر ما هي دلالة على خيبة جماعية بالحاضر، وعلى يأس جماعي من المستقبل. فالإنسان لا يلتفت إلى الوراء بهذا الورع والإعجاب إلا عندما يتوقف عن رؤية ما أمامه أو عندما يخاف مما يراه أمامه.
كلما ضاق الأفق، تمددت الذاكرة. وكلما أصبح المستقبل أكثر غموضاً او ترهيباً، بدا الماضي أكثر إشراقاً، حتى لو كان مليئاً بالحروب والانهيارات والمآسي والموت.
لا أحد يحن حقاً إلى الحرب. أعرف ذلك. ما تشتاق إليه أمي، وآخرون، هو شعور يظنون أنهم عاشوه خلالها: تضامن أكبر، علاقات إنسانية أوثق، إيقاع حياة أبطأ، أو ربما مجرد إيمان بأن الغد سيكون أفضل. ستنتهي الحرب، ويعود العصر الذهبي، وتصير الحياة جميلة من جديد.
ربما لهذا تبدو غالبية نقاشاتنا السياسية والثقافية أسيرة التاريخ أكثر مما هي مشغولة بالغد. نختلف حول من كان على حق قبل خمسين عاماً، أكثر مما نسأل كيف سنعيش بعد عشرين عاماً. نستثمر في الذاكرة أكثر مما نستثمر في الخيال.
لكنّ الخيال ليس ترفاً. إنه شرط أساسي لأي نهضة. إذ لا يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله إذا كان مقتنعاً، في أعماقه، أن أفضل ما فيه قد حدث وانتهى. لهذا لم أعد أسمع في عبارة أمي حنيناً إلى الحرب، بقدر ما صرتُ أسمع فيها يقيناً موجعاً بهزيمة الأمل.
لعل أخطر أشكال الهزيمة هو أن نتوقف عن انتظار ما لم يحدث بعد، ونقضي أعمارنا نعبد ما لن يعود أبداً.